عبد الكريم الخطيب

141

التفسير القرآنى للقرآن

آية : ( 126 ) [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 126 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 ) التفسير : وإذ جعل اللّه البيت الحرام مثابة للناس وأمنا ، وإذ جعله اللّه مقاما لإبراهيم ومصلّى للمؤمنين ، وإذ عهد إلى إبراهيم وإسماعيل بالقيام على هذا البيت وتطهيره من أن يلمّ به رجس - إذ ذاك توجه إبراهيم إلى ربّه أن يبارك البيت وما حوله ، وأن يصيب البلد الذي يقوم حول هذا البيت ببعض نفحاته وبركاته . . هكذا الطيب يعبق ريحه ، فيطيّب الأجواء من حوله . . ومن شأن هذا البيت الطهور القدس أن يجد ريحه الطيب كلّ شئ يدنو منه ، من إنسان وحيوان ونبات . . فأماكنه آمنة ، والناس فيها آمنون ، وحيوانها ونباتها آمن ، فلا يصاد حيوانها ولا يعضد شجرها ، « رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً » أمنا مطلقا يصيب كل شئ . . « وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ » فهذا الرزق هو مما يكفل الأمن لأهله . . « مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » . . وفي قول إبراهيم : « بَلَداً آمِناً » ، وقوله في آية أخرى في سورة إبراهيم : « رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً » ما يشعر بأن بين « البلد » و « بلدا » فرقا . . وهذا ما يحدّث عنه التاريخ ، من أن إبراهيم كانت له عودة إلى البلد الحرام بعد أن ترك إسماعيل وأمه فيها . . فحين تركهما لأول مرة كانت غير معمورة ، فهي « بلد » لم يكتمل بعد ، فلما عاد إليها بعد مدة كانت قد أخذت تعمر فهي « البلد » ! وقد تأدب إبراهيم مع ربّه ، ونظر إلى قوله تعالى « لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » فخصّ بدعائه هذا من آمن باللّه واليوم الآخر ، حيث لامكان في هذا البيت القدس لمن كفر باللّه ، ولكن رحمة اللّه تسع البرّ والفاجر ، ومن طبيعة الحياة ألا يستقيم فيها الناس جميعا على صراط اللّه : فكان ردّ اللّه على إبراهيم أن سمع دعاءه في المؤمنين ، وأما من كفر فلا يحرم هذا الرزق المساق إلى البيت